قراءة بنيوية لرواية (مغامرة في المدينة الوردية) للكاتب السعودي فهد بن محمد الكعبي
تمثل رواية مغامرة في المدينة الوردية للكاتب فهد بن محمد الكعبي، نموذجًا حديثًا لأدب الفتيان الذي ينفتح على العالم الرقمي بوصفه فضاءً سرديًا، ويعيد مساءلة العلاقة بين الواقعي والافتراضي، وبين القيم التقليدية والتمثيلات المعاصرة. فالرواية تستجيب لتغيرات الواقع الاجتماعي والتقني، وتطرح أسئلة الهوية والانتماء والمعنى من خلال مغامرة يمر بها أبطال القصة داخل عالم افتراضي يعيد صياغة الواقع.
تقوم هذه القراءة على تحليل الرواية من خلال أدوات المنهج البنيوي، الذي يركز على البنية الداخلية للنص، ويغفل المرجع الخارجي لصالح العلاقات اللغوية والسردية داخل النص ذاته.
أولًا: البنية السردية:
تنتظم الرواية وفق بنية سردية مغامراتية تقليدية تأخذ شكل “رحلة البطل”، تبدأ بـ”الوضع الابتدائي” (الحياة اليومية في المقهى الافتراضي)، ثم الخلل (سماع الصوت الغريب)، يليها الانتقال إلى “عالم غريب”، ثم سلسلة من الاختبارات والمواجهات، وأخيرًا “عودة الأبطال” محملين بالمعرفة. وتُبرز الرواية توازيًا بين العالم الواقعي والافتراضي، لتسلط الضوء على قضايا مثل القمع، والتغريب، وضياع الهوية.
ثانيًا: الشخصيات:
تم توزيع الشخصيات بناءً على وظائفها:
• رامي: البطل، حامل القيم، ووسيط القارئ نحو العالم الجديد.
• أمين: المناضل الثائر، الذي يقود مهمة تحرير رامي من هيمنة العدو الرقمي.
• المدينة الوردية: فضاء يجسد التراث والذاكرة الرقمية المنسية، والمقاومة الرمزية للهيمنة.
ثالثًا: الزمن:
يتداخل الزمن الواقعي بالزمن الافتراضي، ما يجعل الخط الفاصل بينهما ضبابيًا. ويُقسم إلى:
• زمن خارجي: يبدأ من مقهى الإنترنت.
• زمن داخلي: يتبع منطقًا نفسيًا خاصًا، حيث تتسارع أو تتباطأ اللحظات بحسب شعور الأبطال، في محاكاة لاضطراب الزمن في العصر الرقمي.
رابعًا: المكان:
يشكّل المكان عنصرًا بنيويًا محوريًا:
• المكان الواقعي: المقهى والمدينة، أماكن مألوفة لكنها خاضعة لسيطرة خارجية.
• المكان الرمزي: المدينة الوردية (البتراء)، تمثل الذاكرة، الصوت، والمقاومة، وتحمل نقدًا لثقافة الضجيج والهيمنة الرقمية.
خامسًا: اللغة والأسلوب:
تستخدم الرواية لغةً تجمع بين البساطة والرمزية. تكرار كلمات مثل: الصوت، الضجيج، الأنين يعكس ثيمات مركزية تتعلق بفقدان المعنى وسط صخب العالم الرقمي. كما تُوظف جمل مكثفة للتعبير عن سطوة الكيان المسيطر، لتتحول اللغة إلى فاعل بنيوي يُعمّق دلالات الصراع بين الصوت والمعنى.
سادسًا: الرموز والدوال:
تتضمن الرواية شبكة رمزية دقيقة، منها:
• الصوت: رمز للنداء والتغيير والكشف.
• الضجيج: يرمز للهيمنة الرقمية وتفريغ التجربة من المعنى.
• الأنين: صوت إنساني يقاوم الآلية.
• الصمت: أداة مقاومة، ومساحة للمعنى الحقيقي.
سابعًا: العلاقات الداخلية:
العلاقات بين عناصر الرواية دقيقة ومترابطة:
• العنوان يعكس البنية السردية والرمزية.
• كل شخصية تؤدي دورًا رمزيًا واضحًا.
• الرحلة الخارجية موازية لرحلة وعي داخلية.
وهذا التماسك البنيوي يمنح الرواية عمقًا يتجاوز تصنيفها كأدب موجه للفتيان فقط.
ومن خلال تحليلنا لعناصر البنية السردية، يمكن القول إن رواية مغامرة في المدينة الوردية تُعد عملًا سرديًا متكاملًا من حيث البناء الفني، إذ تتشابك فيها المستويات السردية والزمنية والرمزية لتنتج خطابًا نقديًا تجاه العالم الرقمي والافتراضي.
إنها رواية لا تكتفي بالتسلية، بل تحفّز القارئ على تأمل تحولات العصر الرقمي ومساءلة الذات.
